الشنقيطي
151
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الواقع وهو من الإعجاز ، لأنه إخبار بما سيكون ، وقد كان انتهى محل الغرض من كلام صاحب الكشاف . ونقل كلامه بتمامه أبو حيان في « البحر المحيط » ثم قال أبو حيان : أما الوجه الأول وهو تعلق كَما ب آتَيْناكَ فذكره أبو البقاء على تقدير ، وهو أن يكون في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف تقديره : آتيناك سبعا من المثاني إيتاء كما أنزلنا ، أو إنزالا كما أنزلنا ؛ لأن « آتيناك » بمعنى أنزلنا عليك . قوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ 94 ] . أي فاجهر به وأظهره ؛ من قولهم : صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا ، كقولك : صرح بها . وهذه الآية الكريمة أمر اللّه فيها نبيه صلى اللّه عليه وسلم بتبليغ ما أمر به علنا في غير خفاء ولا مواربة . وأوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة ، كقوله * يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ المائدة : 67 ] الآية . وقد شهد له تعالى بأنه امتثل ذلك الأمر فبلغ على أكمل وجه في مواضع أخر ؛ كقوله : وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] ، وقوله : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) [ الذاريات : 54 ] إلى غير ذلك من الآيات . تنبيه قوله : فَاصْدَعْ قال بعض العلماء : أصله من الصدع بمعنى الإظهار ، ومنه قولهم : انصدع الصبح : انشق عنه الليل . والصديع : الفجر لانصداعه ، ومنه قول عمرو بن معد يكرب : تر السرحان مفترشا يديه * كأن بياض لبته صديع أي فجر والمعنى على هذا القول : أظهر ما تؤمر به وبلغه علنا على رؤوس الأشهاد وتقول العرب : صدعت الشيء : أظهرته ؛ ومنه قول أبي ذؤيب : وكأنهن ربابة وكأنه * يسر يفيض على القداح ويصدع قاله صاحب اللسان . وقال بعض العلماء : أصله من الصدع بمعنى التفريق والشق في الشيء الصلب كالزجاج والحائط . ومنه بمعنى التفريق : قوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ